ADS
التعليم الثانوي

الصراع بين القدماء والمحدثين

نشأة الصراع بين القديم والحديث

إنّ فكرة الصراع بين القديم والحديث فكرة قائمة على اختلاف الزمن وتغيّر الأحوال، واختلاف نظرة الناس للأشياء من حولهم، وهي تكشف أحيانًا عن الفجوة بين الأجيال سواء أكان ذلك في الأدب أم في اللغة أم في الثقافة أم في الفن أم في غيرها من الحقول والمجالات المختلفة، ويمكن أن يتمّ اكتشاف كثير من القضايا التي تنتج عن هذا الصراع بين القديم والحديث ومنها: اختلاف التفكير، واختلاف الذائقة، وتطور الأشياء بفعل الزمن، واختلاف تفاعل الناس مع قضايا معينة باختلاف العصر الذي يعيشون فيه، وهنا يكمن جوهر الصراع، فاختلاف الزمن يؤدي إلى اختلاف النظرة للأشياء، فمصطلح القدم أو الحداثة مرتبط بالزمن، فبمرور الزمن يصبح الحديث قديمًا، لذلك فهو أمر نسبيّ مرتبط بالزمن الذي يتمّ الحديث عنه، وبناءً على ذلك سيبقى الصراع مستمرًّا ما دام الزمان مستمرًّا، وفي هذه المقالة سيتم الحديث عن الصراع بين القدماء والمحدثين في الأدب.
 

اختلاف الذوق الأدبي باختلاف الزمن

إنّ الذوق له دور كبير ومهمّ في تشكيل الأعمال الفنية والأدبية، وفي تَلقّيها، والتمييز فيما بينها، والحُكم عليها، فهو مؤثر في الأدب والنقد، فالذوق يختلف باختلاف الأفراد والمجتمعات، فكل فرد له ذوق خاص به، وكل مجتمع له ذوق خاص به، والفرد في كثير من الأحيان يكون في ذوقه محكومًا للذوق العام في المجتمع الذي يعيش فيه في مجالات الحياة كلها.
 
ويمكن تعريف الذوق بأنّه: “قوة إدراكية تمييزية متغيرة”، وهذا التعريف ينطوي على قضايا تتعلق بالذوق فهو قدرة، ويحتاج إلى الإدراك، والتمييز بين الأشياء، وهو متغير بتغير الزمن، ومتطور يؤثر في تغييره المحيط الذي ينشأ فيه، فهو يختلف باختلاف ثقافة المجتمع.
 

اختلاف الأجناس الأدبية في الأدب

يتّضح الصراع بشكل أو بآخر في قضية تعدد الأجناس الأدبية بين الماضي والحاضر، بحيث تظهر أشكال أدبية مختلفة، وقد يعود السبب إلى اختلاف الزمن من جهة، واختلاف الذائقة الأدبية عند الأدباء والمتلقين والنقاد، فتنشأ أجناس أدبية لشعور الإنسان بحاجته إلى نصوص أدبية تعبر عن عصره، بالإضافة إلى أن الإنسان في كل عصر من العصور يحتاج إلى التطور، وإلى فتح مجالات الإبداع بصوره المختلفة، بمعنى أنّه لا يريد أن يكون مجترًّا للقديم دون محاولة التجديد والابتكار.
 
وهذا أدّى إلى وجود أنواع أدبية جديدة تتناسب مع العصر الحديث مثل: القصة القصيرة، والرواية، وغيرها، وقد تتداخل الأجناس الأدبية أحيانًا، فتتداخل الرواية مع السيرة، وتتداخل القصيدة الشعرية مع القصة القصيرة، وظهرت في الوقت الحالي القصة القصيرة جدًّا، وقد تداخلت القصيدة مع النثر، فظهرت قصيدة النثر أيضًا، وظهر المزج بين الشعر الغنائي والدرامي.
 
وقد اختلف النقاد حول هذه الأجناس الأدبية فمثلًا اعترض بعض النقاد والشعراء على قصيدة النثر، بينما وجد من النقاد والشعراء من يدافع عنها، ويكتبها، أو يكتب عنها، وكذلك الأمر فيما يتعلق بالقصة القصيرة جدًّا التي رفضها البعض، وأيّدها آخرون.
 
الصراع بين القدماء والمحدثين في الأدب العربي القديم
في الحديث حول الصراع بين القدماء والمحدثين في الأدب، جدير بالذكر أبرز القضايا النقدية التي طرحها النقاد في النقد القديم وهي: قضية القديم والحديث في الأدب، فقد شغلت هذه القضية النقاد، فتناولوها في كتبهم المختلفة، فمنهم من كان يهتم بالقديم فقط دون الاهتمام بالحديث، ومنهم من رفض الاهتمام بالقديم فقط دون الحديث، ومعيارهم في ذلك جودة الأدب لا الزمن الذي وجد فيه، ومن أهم هؤلاء النقاد ما يأتي.
 

ابن سلاّم الجمحي

يمكن استنتاج رأيه من خلال الاطلاع على كتابه “طبقات فحول الشعراء”، فقد ترجم للشعراء الجاهليين والإسلاميين، وقسمهم إلى طبقات، ووقوف ابن سلام على شعراء مطلع القرن الثاني الهجري فقط، وعدم وقوفه على شعراء عصره، يدل على رفضه للشعر الحديث؛ لأنه لم يصل لمرتبة الشعر القديم في مضامينه وفنياته.
 

الجاحظ

ظهر رأيه في كتابه “البيان والتبيين”، فهو لم يحكم على جودة النص الأدبيّ من شعرٍ أو نثرٍ اعتمادًا على العصر الذي قيل فيه، وخير دليل على هذا أنه اختارَ نصوصًا من الشعر والنثر من عصور مختلفة، وكان كل ما يهمه أن يحقق الأديب البيان في قوله، ويؤثر في المتلقي، بالإضافة إلى السلامة من اللحن والخطأ، والمحافظة على نقاء اللغة.
 
 
فموقف الجاحظ كان منطقيًّا في حديثه عن قضية القديم والحديث، وقد قام بمهاجمة العلماء الرافضين للأدب المحدث، بدعوى تقديسهم للقديم، ولذلك رأى الجاحظ أن شعر بعض الشعراء المولدين مثل: أبي نواس شعر جيد جميل فلا يرفضه، ولا يعني هذا أن الجاحظ ليس معجبًا بالأدب القديم، ولكن كان موقفه توافقيًّا يحكم على الأدب حسب جودته، لا حسب الزمن الذي قيل فيه.
 

ابن قتيبة

ظهر رأي ابن قتيبة واضحًا في مقدمة كتابه: “الشعر والشعراء”، فقد قال: “ولم أسلُكْ فيما ذكرت من شعر كل شاعر مختارًا له سبيلَ مَن قلَّد أو استحسن باستحسان غيرِه، ولا نظرتُ إلى المتقدم منهم بعين الجلالة لتقدمِه، ولا المتأخِّرِ بعين الاحتقار لتأخُّرِه ، بل نظرتُ بعين العدل إلى الفريقين وأَعطَيْتُ كلاًّ حظَّه، ووفرت عليه حقه”، وقال أيضًا: “فإني رأيت من علمائنا مَن يستجيد الشعر السخِيف لتقدُّم قائله، ويضعه في متخيَّرِه، ويرذل الشعر الرَّصِين، ولا عيب له عنده إلاَّ أنه قيل في زمانه، أو أنه رأى قائله، ولم يقصِر الله العلم والشعر والبلاغة على زمنٍ دون زمن، ولا خَصَّ به قومًا دون قوم، بل جعل ذلك مشتَرَكًا مقسومًا بين عباده في كلِّ دهر، وجعل كلَّ قديمٍ حديثًا في عصره”.
 
والنصّ السابق يوضّح رأيَ ابن قتيبة، فهو لا يتعصّب للقديم ويترك الحديث، فأمر الحكم على الأدب والشعر يكون بجودة الشعر أو رداءته، وهو بذلك يتسم بالموضوعية، فالموضوعية لا تقبل المعيار الزمني -القِدَم والحداثة- حكمًا على الشعر أو الفكر بالجودة أو الرداءة؛ إذ إن هذا معيارغير منطقي؛ لأنه لا يتعامَل مع النصوص ذاتها، وإنما يتعامَل مع زمانها، الذي قيلت فيه، أو تاريخ إبداعها، وهذا لا يجوز؛ لأنّ معيار الزمن غير ثابت، فكلُّ قديم كان حديثًا ذاتَ يوم، وكلُّ حديث سيصير قديمًا مع تقادم الزمن عليه.
 

الصراع بين القدماء والمحدثين في الأدب العربي الحديث

في الحديث حول الصراع بين القدماء والمحدثين في الأدب في العصر الحديث فإنّه طُرِحَت قضيةُ القديم والحديث، وقامت حولها معاركُ ثقافيَّة وفكريَّة متعددة، ولا سيما بين فريقَيْ التيّار المحافظ، والتيّار المجدِّد، ومن أبرز الأمثلة على هذا الصراعِ ما وقع بين طه حسين ومصطفى صادق الرافعي، فهما كانا يدافعان عن تيارين مختلفين: التيار المحافظ الذي يرى في القديم الكمالَ والمتانة، ويعدّ كل ما استجدَّ أو استُحدث هو انسلاخٌ عن الثقافة العربية الإسلاميَّة، وتأثُّر بمناهجَ نقدية غربيَّة، أمَّا التيار المجدِّد فيرى في نفسه السبيل الوحيد لنهضةٍ فكريَّة جديدة، فالسياق الثقافيَّ في العصر الحديث تجاوَزَ الصرامة الأدبيَّة والفكريَّة، وقضية التشبث بالقديم دون السعي للإبداع والتجديد.
زر الذهاب إلى الأعلى